اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي ، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ، وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
أولا
اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي ، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ، وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ
هذه العبارة لا نعلمها محفوظة عن أحد من السلف أو أهل العلم ، وإنما يقولها بعض الوعاظ والخطباء .
ومن ابتغى الحكمة وطلب السلامة في أذكاره ودعائه وتضرعه إلى الله لزم المأثور.
قال القاضي عياض رحمه الله : " أذن الله في دعائه ، وعلَّم الدعاءَ في
كتابه لخليقته، وعلَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم الدعاءَ لأمَّته،
واجتمعت فيه ثلاثةُ أشياء : العلمُ بالتوحيد ، والعلم باللغة ، والنصيحة
للأمَّة ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدلَ عن دعائه صلى الله عليه وسلم ، وقد
احتال الشيطانُ للناس من هذا المقام ، فقيَّض لهم قومَ سوء يخترعون لهم
أدعيةً يشتغلون بها عن الاقتداء بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " .
انتهى من "الفتوحات الربانية" لابن علان (1/17) .

اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي ، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي ، وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ
ثانيا :
لا يخرج شيء من أفعال الله تعالى عن تمام الحكمة ، ولا يجوز خلو فعل من أفعاله عن الحكمة ، قال ابن القيم رحمه الله :
" الله سبحانه حكيم ، لا يفعل شيئا عبثا ، ولا لغير معنى ومصلحة .
وحكمته : هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل . كما هي ناشئة عن أسباب ، بها فعل .
وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا " انتهى من "شفاء العليل" (ص: 190) .
وقال أيضا :
" اللهُ سُبْحَانَهُ مَا أَعْطَى إِلَّا بِحِكْمَتِهِ، وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِحِكْمَتِهِ، وَلَا أَضَلَّ إِلَّا بِحِكْمَتِهِ.
وَإِذَا تَأَمَّلَ الْبَصِيرُ أَحْوَالَ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ
النَّقْصِ: رَآهُ عَيْنَ الْحِكْمَةِ، وَمَا عَمَرَتِ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةُ ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، إِلَّا بِحِكْمَتِهِ.
وقول أَهْلِ الْإِثْبَاتِ في تعريفها: إنَّهَا الْغَايَاتُ
الْمَحْمُودَةُ الْمَطْلُوبَةُ لَهُ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ،
الَّتِي أَمَرَ لِأَجْلِهَا، وَقَدَّرَ وَخَلَقَ لِأَجْلِهَا.
وَهِيَ [ أيضا ] : صِفَتُهُ الْقَائِمَةُ بِهِ ، كَسَائِرِ صِفَاتِهِ:
مِنْ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَعِلْمِهِ
وَحَيَاتِهِ وَكَلَامِهِ " انتهى مختصرا من "مدارج السالكين" (2/ 450) .
ثالثا :
ليس بالضرورة أن تصل عقول العباد إلى معرفة الحكمة في أفعال الله ،
وشرعه وأمره، بل قد يبين الله تعالى لعباده بعض تلك الحكم ، وقد يستر عنهم
بعضها ، محنة لهم ، واختبارا لعبوديتهم وتسليمهم لربهم.
ولا شك أن معرفة الحكمة من الفعل ، أو الخلق ، أو الأمر : تزيد المرء
إيمانا ، ولكن ليس شرطا في الإيمان أن نتعرف على تفاصيل حكمة الله تعالى في
خلقه وأمره ، ونطلع عليها. وإنما مدار أمر العبد التسليم أولا ، وقبل كل
شيء ؛ فإن أدرك الحكمة ، فليحمد الله ، وإن لم يدركها رجع إلى التسليم لربه
تعالى ، مع إيمانه أنه سبحانه حكيم عليم ، لا يخرج فعل من أفعاله عن
الحكمة .
فإن الناس متفاوتون في عقولهم وفهومهم ودينهم ، والله يصطفي من عباده من
يشاء ، ويمن على من يشاء بما شاء من فضله ، وقد قال تعالى: ( يُؤْتِي
الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) البقرة/
269 .
قال ابن أبي العز رحمه الله :
" اعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى الْعُبُودِيَّةِ وَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ - عَلَى التَّسْلِيمِ ، وَعَدَمِ الْأَسْئِلَةِ عَنْ
تَفَاصِيلِ الْحِكْمَةِ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالشَّرَائِعِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَحْكِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ أُمَّةِ نَبِيٍّ ،
صَدَّقَتْ بِنَبِيِّهَا ، وَآمَنَتْ بِمَا جَاءَ بِهِ، أَنَّهَا سَأَلَتْهُ
عَنْ تَفَاصِيلِ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَمَرَهَا بِهِ وَنَهَاهَا عَنْهُ ،
وَبَلَّغَهَا عَنْ رَبِّهَا .
وَلَوْ فَعَلَتْ ذَلِكَ لَمَا كَانَتْ مُؤْمِنَةً بِنَبِيِّهَا، بَلِ
انْقَادَتْ وَسَلَّمَتْ وَأَذْعَنَتْ، وَمَا عَرَفَتْ مِنَ الْحِكْمَةِ
عَرَفَتْهُ، وَمَا خَفِيَ عَنْهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ فِي انْقِيَادِهَا
وَتَسْلِيمِهَا عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلَا جَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْ شَأْنِهَا،
وَكَانَ رَسُولُهَا أَعْظَمَ عِنْدَهَا مِنْ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ،
كَمَا فِي الْإِنْجِيلِ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَقُولُوا: لِمَ
أَمَرَ رَبُّنَا؟ وَلَكِنْ قُولُوا: بِمَ أَمَرَ رَبُّنَا .
وَلِهَذَا كَانَ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ
الْأُمَمِ عُقُولًا وَمَعَارِفَ وَعُلُومًا - لَا تَسْأَلُ نَبِيَّهَا:
لِمَ أَمَرَ اللَّهُ بِكَذَا؟ وَلِمَ نَهَى عَنْ كَذَا؟ وَلِمَ قَدَّرَ
كَذَا؟ وَلِمَ فَعَلَ كَذَا؟ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مُضَادٌّ
لِلْإِيمَانِ وَالِاسْتِسْلَامِ، وَأَنَّ قَدَمَ الْإِسْلَامِ لَا تَثْبُتُ
إِلَّا عَلَى دَرَجَةِ التَّسْلِيمِ.
فَأَوَّلُ مَرَاتِبِ تَعْظِيمِ الْأَمْرِ : التَّصْدِيقُ بِهِ، ثُمَّ
الْعَزْمُ الْجَازِمُ عَلَى امْتِثَالِهِ، ثُمَّ الْمُسَارَعَةُ إِلَيْهِ
وَالْمُبَادَرَةُ بِهِ الْقَوَاطِعَ وَالْمَوَانِعَ، ثُمَّ بَذْلُ
الْجُهْدِ وَالنُّصْحِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ،
ثُمَّ فِعْلُهُ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا، بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ
الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ حِكْمَتِهِ - فَإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ
فَعَلَهُ وَإِلَّا عَطَّلَهُ، فَإِنَّ هَذَا يُنَافِي الِانْقِيَادَ،
وَيَقْدَحُ فِي الِامْتِثَالِ." انتهى "شرح الطحاوية" (341) .
والحاصل :

ليست هناك تعليقات