معركة الزلاقة 479 هـ يوم من ايام الله المجيده.
معركة الزلاقة 479 هـ يوم من ايام الله المجيده.. 1086/10/25م
![]() |
| معركة الزلاقة 479 هـ يوم من ايام الله المجيده. |
معركة الزلاقة
ظلّت الأندلس فترة من الزمان تحت حكم الخلافة الأموية منذ أن فتحها المسلمون في عهد الوليد بن عبد الملك ، وبعد سقوط دولة الأمويين أسس عبد الرحمن الداخل خلافة أموية بالأندلس استمرت قرابة ثلاثة قرون ، ثم انقسمت إلى دويلات وأقاليم صغيرة ، وانفرد كل حاكم بإقليم منها ، فيما عرف بعد ذلك بعصر ملوك الطوائف ، وانشغل الحكام بعضهم ببعض ، واشتعلت بينهم النزاعات والخلافات ، مما أغرى بهم عدوّهم من الأسبان النصارى الذين كانوا يتربصون بهم الدوائر.
.
فسقطت طليطلة التي كان يحكمها بنو ذي النون في يد ألفونسو النصراني ملك "قشتالة" ، بعد أن خذلها ملوك الطوائف ولم يهبّوا لنصرتها بسبب خوفهم من ألفونسو ، وبسبب المعاهدات التي أبرموها معه ، حتى وصل الحال ببعضهم إلى أن يدفع له الجزية، مقابل أن يكف اليد عنه وعن بلاده.
.
وفي الوقت الذي كان فيه ملوك الطوائف منقسمون على أنفسهم ، يتآمر كل واحد منهم ضد الآخر ، ويستعين بالنصارى ضد إخوانه من أجل الحفاظ على ملكه وسلطانه ، كان النصارى قد بدؤوا في توحيد صفوفهم والاجتماع على كلمة سواء ، من أجل هدف واحد وهو القضاء على الوجود الإسلامي في بلاد الأندلس.
وبعد استيلاء ألفونسو على " طليطلة " أصبح مجاوراً لمملكة "إشبيلة " التي كان يحكمها المعتمد بن عباد ، فبالغ في إذلاله وإهانته ، حتى إنه أرسل إليه يهودياً ليأخذ منه الجزية ، فرفض تسلُّمها بحجة أنها من عيار ناقص ، وهدَّد بأنه إذا لم يقدم له المال من عيار حسن فسوف تُحتل مدائن " إشبيلية " ، فضاق المعتمد ذرعاً باليهودي وأمر بصلبه وسجن أصحابه ، وبلغ الخبر ألفونسو فازداد حنقاً وغيظاً على المعتمد ، وبعث جنوده للانتقام والقيام بعمليات السلب والنهب ، وأغار هو على حدود " إشبيلية" وحاصرها ثلاثة أيام ثم تركها
وكان المعتمد قد عزم على الاستعانة بدولة المرابطين وأميرها يوسف بن تاشفين لمواجهة ألفونسو، فاجتمع بأمراء الطوائف وعرض عليهم الأمر ، ولكنهم أبدوا تخوفهم من أن يسيطر ابن تاشفين على بلاده وينفرد بالسلطان دونه وقال له ولده : " يا أبت أتُدخِل علينا في أندلسنا من يسلبنا ملكنا ، ويبدّد شملنا " ، فقال المعتمد : " أي بني والله لا يسمع عني أبدًا أني أعدت الأندلس دار كفر ولا تركتها للنصارى فتقوم اللعنة عليّ في الإسلام مثلما قامت على غيري ثم قال كلمته المشهورة التي سجلها التاريخ : " والله لئن أرعى الأبل في صحراء ل بن تاشفين خير لي من رعي الخنازير في خضراء ألفونس".
.
فأجاب ابن تاشفين النداء وقال : " أنا أول منتدِب لنصرة هذا الدين" ، وعبر البحر في جيش عظيم
ولبث ابن تاشفين في " إشبيلية " ثمانية أيام يرتّب القوات ويعدّ العدّة ، وكان مكثراً من التعبّد والصيام والقيام وأعمال البر ، ثم غادر " إشبيلية " إلى " بطليوس " فلما بلغه الخبر استنفر الصغير والكبير للقتال ، ولم يدع أحداً في أقاصي مملكته يقدر على القتال إلا استنهضه ، وتجمع النصارى من شمالي إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ، معهم القسس والرهبان يحرضونهم على القتال.
فلما اجتمع جيشه رأى كثرته فأعجبته ، فأحضر ذلك المعبّر ، وقال له : " بهذا الجيش ألقى إله محمد ، صاحب كتابكم " ، فانصرف المعبّر ، وقال لبعض المسلمين : هذا الملك هالك وكل من معه ، وذكر قول رسول الله صل الله عليه وسلم : ( ثلاث مهلكات .. وفيه : وإعجاب المرء بنفسه ) .
.
ثم كان التقاء الفريقين في سهل " الزلاقة " بالقرب من " بطليوس " ، وكان جيش المسلمين ثمانيةً وأربعين ألفاً نصفهم من الأندلسيين ونصفهم من المرابطين ، وجيش ألفونسو مائةُ ألف من المشاة ، وثمانون ألفاً من الفرسان.
ولبث الجيشان ثلاثة أيام ، تبادل الفريقان فيها الرسائل فكتب ابن تاشفين إلى ألفونسو يدعوه إلى الإسلام أو الجزية أو القتال ، فاختار القتال ، وكتب إليه ألفونسو يقول له : " الجمعة لكم ، والسبت لليهود وهم وزراؤنا وكتابنا وأكثر خدم العسكر منهم فلا غنى لنا عنهم ، والأحد لنا ، فإذا كان يوم الإثنين كان ما نريده من الزحف " ، وقصد بذلك مباغتة المسلمين والغدر بهم ، ولكن الله لم يتم له ما أراد.
.
فلما كان يوم الجمعة في العشر الأول من رمضان سنة 479 هـ تأهّب المسلمون لصلاة الجمعة ، وخرج ابن تاشفين هو وأصحابه في ثياب الزينة للصلاة ، أما المعتمد فقد أخذ بالحزم خشية غدر الرجل ، فركب هو وأصحابه مسلحين وقال لأمير المسلمين ابن تاشفين : " صلِّ في أصحابك، وأنا من ورائكم وما أظن هذا الخنزير إلا قد أضمر الفتك بالمسلمين " ، فأخذوا في الصلاة فلما عقدوا الركعة الأولى ثارت في وجوههم الخيل من جهة النصارى ، وحمل ألفونسو لعنة الله في أصحابه يظنّ أنه انتهز الفرصة ، وإذا بالمعتمد وأصحابه من وراء الناس يصدّون هجوم النصارى ، وأخذ المرابطون سلاحهم وركبوا خيولهم ، واختلط الفريقان ، وأظهر المعتمد وأصحابه من الصبر والثبات وحسن البلاء الشيء العظيم ، فقاتل بنفسه في مقدّمة الصفوف ، وأُثخن بالجراح ، وهلك تحته ثلاثة أفراس كلما هلك جواد قدموا له غيره ، وقاتل المسلمون قتال من يطلب الشهادة ويتمنى الموت ، حتى هزم الله العدو ، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم في كل اتجاه ، ونجا ألفونسو في نفر من أصحابه عند حلول الظلام ، بعد أن أصابته طعنة في فخذه.
.
فهزمه الله شر هزيمة وأعز جنده المؤمنين في هذه المعركة ، وكُتبت للأندلس بسببها حياة جديدة امتدت أربعة قرون أخرى ، بعد أن كانت على موعد مع الفناء والاستئصال.

ليست هناك تعليقات